محمد بن جرير الطبري
241
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
ذلك : أنه من قتل نفسًا مؤمنة بغير نفس قَتَلتها فاستحقت القَوَد بها والقتل قِصاصًا = أو بغير فساد في الأرض ، بحرب الله ورسوله وحرب المؤمنين فيها = فكأنما قتل الناس جميعًا فيما استوجب من عظيم العقوبة من الله جل ثناؤه ، كما أوعده ذلك من فعله ربُّه بقوله : ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ) [ سورة النساء : 93 ] . * * * وأما قوله : " ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعًا " فأولى التأويلات به ، قول من قال : من حرّم قتل من حرّم الله عز ذكره قتله على نفسه ، فلم يتقدّم على قتله ، فقد حيى الناس منه بسلامتهم منه ، وذلك إحياؤه إياها . وذلك نظير خبر الله عز ذكره عمن حاجّ إبراهيم في ربّه إذ قال له إبراهيم : ( رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ) [ سورة البقرة : 258 ] . فكان معنى الكافر في قيله : " أنا أحيي " ، ( 1 ) أنا أترك من قَدَرت على قتله - وفي قوله : " وأميت " ، قتله من قتله . ( 2 ) فكذلك معنى " الإحياء " في قوله : " ومن أحياها " ، من سلِمَ الناس من قتله إياهم ، إلا فيما أذن الله في قتله منهم = " فكأنما أحيى الناس جميعًا " . وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بتأويل الآية ، لأنه لا نفسَ يقومُ قتلُها في عاجل الضُّرّ مقام قتل جميع النفوس ، ولا إحياؤها مقامَ إحياء جميع النفوس في عاجل النفع . فكان معلومًا بذلك أن معنى " الإحياء " : سلامة جميع النفوس منه ، لأنه من لم يتقدم على نفس واحدة ، فقد سلم منه جميع النفوس - وأن الواحدة منها التي يقوم قتلُها مقام جميعها إنما هو في الوِزْر ، لأنه لا نفس من نفوس بني آدم يقوم فقدها مقام فقد جميعها ، وإن كان فقد بعضها أعمّ ضررًا من فقد بعض . ( 3 ) * * *
--> ( 1 ) في المطبوعة والمخطوطة هنا : " أنا أحيي وأميت " ولا شك أن قوله : " وأميت " تكرار ، فتركته . ( 2 ) انظر ما سلف : 5 : 432 . ( 3 ) انظر تفسير " الإحياء " فيما سلف 5 : 432 ، وما بعدها .